حيدر حب الله

41

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

( 460 ه ) كانت أمامه - حينما ألّف رجاله أو فهرسته - عشرات المصادر الرجاليّة ، إلى حدّ يرى فيه أمثال العالم الرجالي المعاصر آية اللّه الخوئي ( 1413 ه ) أن كثرة هذه الكتب - والتي يبدو أنّها كانت شيعيّة كما يفهم - جعلت من كثرتها التوثيق والتضعيف بمثابة الحسيّين « 1 » ، وهي مقولة وإن كان هناك مجال لمناقشتها كما ذكره غير باحث رجالي معاصر « 2 » ، إلا أنّها تشي بظاهرة مصنّفات ذات عدد لا يستهان به ، وهذه المصنّفات قد ألّف الكثير منها - كما يظهر من صاحب هذه المقولة - في عصر الحضور ، ممّا يدلّل على وجود متابعة لظاهرة الروايات ومنهج في التعامل معها . والخلاصة ، إنّ ظواهر مثل التعارض ، أو حتى نفس الروايات ، وكذا القياس والرأي ، تستدعي منهجا في التعاطي ، ومن المنطقيّ أن يكون لدى فقهاء تلك المرحلة وعلمائها موقف أو رأي ، يصنّف - تلقائيّا - فعلا اجتهاديا ونظريّة مناهجيّة ، مهما كانت بسيطة وشبه عفويّة بالنسبة إلينا . خامسا : ومن الشواهد المؤكّدة لوجود ظاهرة الاجتهاد عصر الحضور ، ما ذكره الإمام الخميني ( 1409 ه ) من النصوص والروايات التي نلاحظ فيها نوعا من التعليم والتوجيه الذي كان يمارسه أهل البيت عليهم السّلام بحقّ أصحابهم « 3 » ، فقد دلّت العديد من الروايات على أنّ الأئمة عليهم السّلام كانوا يرشدون أصحابهم إلى كيفية الاجتهاد وشكل التعامل مع النص ، مما يكشف في وقت واحد عن وجود هذه الظاهرة لأنّ أهل البيت عليهم السّلام كانوا يسعون لترويجها ، ووجودها أيضا لأنّ سعي أهل البيت عليهم السّلام لترويجها كان نابعا عن وجود حاجة أو لا أقلّ استعداد ثقافي عام لتكوّن ظاهرة من هذا النوع ، فهذه النصوص تشكّل شاهدا تاريخيا على ظاهرة الاجتهاد في عصر الحضور . وحصيلة ما قدّمناه ، أنّ الفقه الشيعي والكلام الشيعي مارسا اجتهادا في العقل وفي فهم النصوص والتعاطي معها زمن الحضور ، وأنّ المقولة التي ترى أنّ حركة الاجتهاد تأخّرت إلى ما بعد الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر عليه السّلام ، ليست دقيقة عندما يراد منها إطلاق حكم عام وجذريّ .

--> ( 1 ) - راجع : السيّد أبو القاسم الخوئي ، معجم رجال الحديث 1 : 42 . ( 2 ) - راجع : الشيخ محمد السند ، بحوث في مباني علم الرجال : 85 - 88 . ( 3 ) - الإمام الخميني ، الاجتهاد والتقليد : 70 - 78 ؛ وإبراهيم الجنّاتي ، أدوار اجتهاد : 89 - 94 ؛ وراجع : محمد رضا جواهري ، اجتهاد در عصر أئمة معصومين عليهم السّلام : 170 - 171 ؛ ولمراجعة عيّنات من هذه الروايات يمكن الاطلاع على الكتاب نفسه ص 171 - 183 ، وقد جاء في هذا الكتاب وكتاب أدوار فقه جملة من الشواهد على ظاهرة الاجتهاد عصر الحضور ، لكن في النفس شيء من الكثير منها ، ولا مجال لبحث هذا الموضوع فعلا ، لكنّهما كتابان جيّدان في بابهما .